
دعا اختصاصي تكنولوجيا وسلامة وأمن الغذاء بشير يوسف إلى إنشاء وإعادة تأهيل صناعات التصنيع الزراعي في السودان، مؤكداً أن الموارد الطبيعية الهائلة التي يمتلكها البلد يمكن أن تقود نمواً اقتصادياً مستداماً إذا ما تم استثمارها على نحو فعّال.
وأشار إلى أن السودان يزخر بمواد خام زراعية وفيرة لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير، مشدداً على أن تحويل هذه الموارد إلى منتجات مصنّعة وذات قيمة مضافة من شأنه أن يعزز الاقتصادات المحلية بشكل ملموس ويسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي.
وشدّد الخبير السوداني على أن الصناعات التحويلية ينبغي أن تُصمَّم بما يخدم المجتمعات المحلية مباشرة، وذلك من خلال توفير فرص عمل للشباب، وتنمية مهاراتهم عبر برامج تدريب مهني منظّمة، ودعمهم لاستكمال تعليمهم، بما يضمن بناء قدرات بشرية محلية مستدامة.
نخيل الدوم: نموذج للصناعات المتكاملة
وأشار الخبير بشير يوسف إلى نخيل الدوم (Hyphaene thebaica) بوصفه مثالاً بارزاً على إمكانية تحويل الموارد المحلية إلى صناعات متكاملة ومتعددة الاستخدامات. وتُعدّ ثمار هذا النخيل من المنتجات التقليدية الشائعة في السودان وتحظى بإقبال واسع، كما يمكن استثمار مختلف أجزاء الشجرة في تطبيقات غذائية وصناعية وبيئية متنوعة.
ومن بين الاستخدامات العديدة لهذه الشجرة مجالات لا تزال غير مستغلة على نحو كافٍ في السودان، ويمكن تطويرها ضمن سلاسل قيمة صناعية متكاملة. فغلاف الثمرة صالح للأكل، ويمكن طحنه إلى دقيق أو تقطيعه إلى شرائح واستخدامه كمكوّن منكّه طبيعي في المنتجات الغذائية. كما تُعدّ البراعم الطرفية الصغيرة — المعروفة بكرنب النخيل — صالحة للأكل وذات قيمة غذائية، ويُؤكل أيضاً الجذير المزروع (Hypocotyl)، إضافة إلى البذور غير الناضجة عند تجهيزها بطريقة سليمة.
وتُستخدم أوراق النخيل في صناعة السلال والحصائر والمكانس والمنسوجات الخشنة والحبال والأسقف القشية والخيوط، في حين تُستخرج ألياف الجذور، بعد نقعها لمدة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام وضربها، لاستخدامها في صناعة شباك الصيد. وإلى جانب ذلك، تشكل الأشجار مصدرًا مهمًا لعلف الحيوانات، لا سيما خلال فترات الجفاف.
كما يُستخدم النخيل حطبًا أو في إنتاج الفحم، ويمكن الاستفادة من الأوراق كوقود. ويتميز خشب الدوم، وخاصة الدوم الذكر، بمقاومته للثقوب والنمل الأبيض، ما يجعله مناسبًا لأغراض البناء المختلفة، بما في ذلك الأعمدة والدعامات، وقنوات المياه، والعجلات، ونوابض السكك الحديدية، والألواح، وأعمدة الأسوار، وبناء الطوافات. ومن الاستخدامات غير الشائعة أيضًا توظيف لحاء النخيل المجفف في إنتاج صبغة سوداء للجل.
وفي منطقة توركانا بكينيا، يُضاف مسحوق الغلاف الخارجي للثمرة إلى الماء والحليب ويُترك ليتخمر، لينتج عنه مشروب كحولي خفيف، بينما تُنقر القمة النامية للنخلة في دول أخرى لإنتاج نبيذ النخيل. وتشير الممارسات التقليدية كذلك إلى فوائد علاجية لهذه الشجرة؛ إذ تُستخدم الجذور في علاج البلهارسيا، ويُمضغ لب الثمرة للمساعدة في التحكم بارتفاع ضغط الدم، كما يُعالج التهاب العيون لدى الماشية باستخدام الفحم المستخرج من بذور النخلة.
أما البذرة الصلبة داخل الثمرة، المعروفة باسم «العاج النباتي»، فتُستخدم في صناعة الأزرار والمنحوتات الصغيرة، وكبديل للؤلؤ الصناعي، في حين يمكن الاستفادة من رماد جذوع النخيل كبديل للملح. وإلى جانب هذه الاستخدامات الاقتصادية، يقدم نخيل الدوم خدمات بيئية مهمة، إذ يُزرع على ضفاف الأنهار للمساهمة في تثبيت التربة والحد من التعرية والانجراف.
فرصة استثمارية مستدامة
يرى د. يوسف أن نخلة الدوم يمكن أن تكون مصدرًا لصناعات متكاملة لا حصر لها، قادرة على توطين مجتمعات كبيرة، ورفع مستويات الدخل، وإدخال عملة صعبة إلى الاقتصاد الوطني. ويؤكد أن الاستثمار في مثل هذه الصناعات لا يحقق عوائد مالية فحسب، بل يساهم أيضًا في التنمية الاجتماعية والبيئية ويضع السودان على خارطة الأسواق العالمية للمنتجات الغذائية والصناعية المستدامة.